الشيخ محمد علي طه الدرة
390
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
شيخه . وأرى : أنها حرف استئناف ؛ لأنّ الجملة بعدها متضمنة التوبيخ ، والإنكار ، وأن الوقف على آباءَنا جيد ، والمعنى تامّ لا يحتاج إلى تقييده بحال ، وأن الاستفهام إنشاء ، ولا يصح وقوعه حالا كما هو معروف ، وأن تقدير معطوف عليه محذوف تكلّف لا داعي له . ( لَوْ ) : حرف لما كان سيقع لوقوع غيره . كانَ : فعل ماض ناقص . آباؤُهُمْ : اسمها ، والهاء في محل جر بالإضافة . لا : نافية . يَعْقِلُونَ : مضارع وفاعله . شَيْئاً : مفعول به ، وله متعلق محذوف ، التقدير : شيئا نافعا من أمر الدين ، والجملة الفعلية في محل نصب خبر : كانَ والتي بعدها معطوفة عليها ، فهي في محل نصب مثلها ، والمتعلق محذوف ؛ إذ التقدير : لا يهتدون إلى حق . وجملة : كانَ . . . إلخ لا محل لها ؛ لأنها ابتدائية ، ويقال : لأنها جملة شرط غير ظرفي ، وجواب ( لَوْ ) محذوف ، التقدير : لاتبعوهم ، و ( لَوْ ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له ، كما ذكرت في الواو ، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [ 104 ] من سورة ( المائدة ) ؛ فهي مثلها في كل شيء مع اختلاف في بعض الألفاظ ، وأيضا الآية رقم [ 21 ] من سورة ( لقمان ) وهو لا يؤثر في المعنى ، والإعراب . واللّه الموفق للحقّ والصواب . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) الشرح : وَمَثَلُ الَّذِينَ . . . إلخ : شبّه اللّه تعالى واعظ الكفار ، وداعيهم ، وهو محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالرّاعي الذي ينعق بالغنم ، والإبل ، فلا تسمع إلا دعاءه ، ونداءه ، ولا تفهم ما يقول . هكذا فسره ابن عباس - رضي اللّه عنهما - وغيره ، وهذه نهاية الإيجاز . قال سيبويه - رحمه اللّه تعالى - : ولم يشبهوا بالناعق ، إنّما شبهوا بالمنعوق به ، والمعنى : ومثلك يا محمد ، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق ، والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم . فحذف لدلالة المعنى عليه ، وقال ابن زيد - رحمه اللّه تعالى - : المعنى : مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة من الجماد ، كمثل الصّائح في جوف الليل ، فيجيبه الصّدى ، فهو يصيح بما لا يسمع ، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ، ولا منتفع . وقيل : المعنى : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم ، كمثل النّاعق بغنمه ، لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنّه في عناء ، وكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة إلا العناء . وقيل غير ذلك ، والأوّل هو الأولى بالاعتبار . هذا ؛ وفي قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . إلخ تشبيه مرسل ، ومجمل ، مرسل لذكر الأداة ، ومجمل لحذف وجه الشبه . وقال ابن القيم في إعلام الموقعين عن الآية : لك أن تجعل هذا التشبيه من المركّب ، وأن تجعله من التشبيه المفرّق ، فإن جعلته من المركّب ؛ كان تشبيها للكفار في عدم فقههم ، وانتفاعهم بالغنم ؛ الّتي ينعق بها الراعي : فلا تفقه من قوله شيئا غير